جلال الدين الرومي
486
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
لكن كيف يكون ذلك ؟ ! كيف لا يقترب الدنس من الماء وطهارته لا تكون إلا بالماء ؟ ! وإلى من يلجأ المذنب لكي يتوب إذا كان شرط اقترابه أن يكون طاهراً من الذنب ؟ ! كيف لا اقترب من حوض ماء الطهور ولا يوجد خارج هذا الحوض إلا التراب ؟ ! وكيف لا أختلط بالطاهرين ما دمت لن أحصل على هذه الطهارة طالما أنا موجود بين المذنبين ؟ ! إن الماء أي كرم الله تعالى يقبل المذنبين والدنسين ويطهرهم جميعاً دون أن يلحق بي أدنى دنس . ( لتفصيل هذه الفكرة انظر الكتاب الخامس ، الأبيات 201 - 236 وشروحها ) . وما البديل لهذا ، هل يقضى المشتاق في شوقه والمتحسر في حسرته ؟ ! ( 1208 - 1222 ) : ما دام الحديث عن الهلال فلا بد أن يتداعى الحديث عن البدر ، وما البدر إلا ذلك المريد الكامل الذي قبل نور الشيخ بأجمعه ، وهو بالنسبة لمولانا حسن حسام الدين الذي لقبه مولانا بلقب ضياء الحق ، وهو يحتوى على نور لا يشاهده الدنسون والأشرار ( شر الطيور ) فالخفاش لا يستطيع أن ينظر إلى الشمس ، والناقصون لا يقبلون نور هذا البدر ولا يحسون به لأنه محجوب عنهم بشدة ضوئه ولمعانه وتألقه وارتقائه المستمر في مدارج الطريقة ومراحلها ، وفرق كبير بين نور البدر ونور الهلال ، وما دمنا قدم تحدثنا عن هلال فلنتحدث قليلا عن نور البدر ، ذلك أن هناك اتحاداً بين البدر والهلال ( فالأولياء كنفس واحدة ) والمغايرة بينهما من حيث الصفات لا من حيث الذات ( مولوى 6 / 175 ) ، لكن هذا ليس المقصود ، فالهلال هو السالك الذي يرتقى في مدارج الطريق مرحلة بعد مرحلة في سماء ليل الحياة المظلمة ، وهذا هو الطريق الصحيح بالنسبة للسالكين . فكيف يتم النضج دون تدرج ؟ إن الأمر ليس من قبيل " السلق " بل هو تحمل لنار الطريق قليلا قليلا وبتأن ودون عجلة - لقد خلق الله الدنيا في ستة أيام - وكان يستطيع أن يخلقها ب " كن فيكون " وكان يستطيع أن يخلق الإنسان بنفس الأمر لكنه خمر طينته أربعين صباحا ( أحاديث مثنوى / 198 ) وذلك لكي يعلم الإنسان أن الأمور تؤخذ بالتدريج ، فالتأنى من صفة الرحمن والعجلة من الشيطان .